ابن حزم
633
الاحكام
وصح بالنص المذكور أنه إن اتفق الناس أو جاء نص بإيجاب مقدار منا من عرض مسلم أو بشرته أو ماله فهو وجوبه ، ثم إن ادعى مدع وجوب زيادة في ذلك ولم يأت على صحة دعواه بنص فهو باطل بيقين ، لأنه لا محل ما قد حرم الله تعالى ، وكذلك القول فيمن حرم شيئا مما في الأرض حاشا ما جاء في تحريمه نص أو إجماع . وكذلك من فرض شيئا زائدا على ما أوجب أنه فرض نص أو إجماع وكفى بهذا بيانا . ويلزم من قال بخلاف هذا إن كان مالكيا ، أو شافعيا أن يوجب الزكاة في العسل ، لان الأمة مجمعة على أن في الأموال زكاة بقوله تعالى : * ( خذ من أموالهم صدقة ) * فيلزمهم ألا يسقط هذا الحق اللازم بإجماع إلا بإجماع آخر ، ولزمه إن كان حنفيا أن يوجب الزكاة في الحلي والعوامل بما ذكرنا ، ومثل هذا كثير جدا ، مسقط أكثر مذاهبهم ، ومفسد لجمهور أقوالهم في الصلاة والطهارة والحج وسائر أبواب الفقه كلها ، وبالله تعالى التوفيق . فإن قال قائل : إذا قلتم لو كان هذا القول الزائد واجبا لجاء به دليل ، فماذا تقولون لمن قال لكم لو كان ساقطا لجاء بإسقاطه دليل ، فالواجب : أن هذا قول صحيح وقد نصصنا على الدلائل الواردة بإسقاط كل قول بتحريم ، أو بتحليل أو إيجاب حكم لم يأت بصحته نص أو إجماع ، وهي الآيات التي تلوناها آنفا فوجب بها أن كل مقدار اتفق على وجوبه أو أخذه فهو واجب ، ومن زاد على ذلك بدعواه شيئا فهو مفتر مبطل بتلك النصوص ما لم يأت على صحة دعواه بنص ، وهذا أمر جلي لا إشكال فيه ، ولا يذهب عنه إلا مخذول أو معاند ، وإنما هذا فيما لم يرد فيه نص ، وأما ما جاء فيه نص فلا نراعي فيه ما اتفق عليه منه ، ولا نبالي بمن خالفنا حينئذ ، ولا نراعي فيه استصحاب حال ولا أقل ما قيل فيه . ولكن نأخذ بالنص زائدا كان على ما اتفق عليه ، أو ناقصا عنه ، أو موافقا له ، لان الدليل قد قام حينئذ والبرهان صح على وجوب الانتقال إلى ما جاء به النص ، وصح بذلك الاخذ بالزائد على أقل ولو لم ينفرد بالرواية للزائد إلا إنسان واحد ثقة ، وخالفه جميع أهل الأرض ، لكان القول بما رواه ذلك الواحد واجبا ، لأنه محق ولكان فرضا علينا خلاف كل من خالف رواية ذلك الواحد ، ولو أنهم جميع أهل الأرض